لقد وصل العالم اليوم إلى مرحلة لم يعد فيها من الممكن تصور التنمية الصناعية من دون مراعاة البيئة والموارد الطبيعية وخفض الملوثات. فقد أدت أزمة المياه، والتغيرات المناخية، وارتفاع درجة حرارة الأرض، وتزايد الملوثات الصناعية إلى تغيير نماذج التنمية في مختلف أنحاء العالم، وأجبرت الصناعات الكبرى على إعادة تعريف دورها تجاه البيئة. وفي مثل هذا المناخ، ستكون الصناعات الأكثر نجاحاً هي تلك التي تستطيع تحقيق التوازن بين الإنتاج، والتنمية الاقتصادية، وحماية البيئة.
لم يعد حجم الإنتاج والربحية وحدهما المعيارين الوحيدين لقياس نجاح الصناعات؛ بل إن طريقة تفاعلها مع البيئة، ومستوى استهلاكها للموارد، ومساهمتها في الحد من التلوث، أصبحت أيضاً جزءاً من مؤشرات التقييم الرئيسية. ويتجه العالم نحو نموذج صناعي أصبح فيه خفض البصمة الكربونية، وتحسين استهلاك الطاقة، وإعادة تدوير الموارد، واستخدام التقنيات النظيفة، أجزاءً لا تنفصل عن عملية الإنتاج. وفي الواقع، فإن مستقبل الصناعة العالمية يتجه نحو نموذج لا يعني فيه ارتفاع الإنتاج بالضرورة زيادة استهلاك الموارد وزيادة الإضرار بالطبيعة؛ بل إن رفع الكفاءة، وتقليل هدر الموارد، والانسجام مع البيئة، تعد من المؤشرات الرئيسية للتنمية الصناعية.
وفي هذا السياق، سعت مجموعة فولاد مباركة في السنوات الأخيرة إلى تقديم رواية مختلفة عن صناعة فولاذ كبرى؛ رواية يُعرَّف فيها التطور الصناعي إلى جانب المسؤولية البيئية. ويُظهر استثمار هذه المجموعة البالغ 2.3 مليار دولار في المجال البيئي أن قضية حماية الطبيعة والتحرك نحو الفولاذ الأخضر ليست مجرد مقاربة ترويجية، بل تُعد جزءاً من استراتيجية التنمية المستقبلية للمجموعة.
ويُعد خفض البصمة الكربونية والتحرك نحو الإنتاج منخفض الكربون أحد أهم محاور هذا النهج. فالعالم يتجه نحو فرض ضرائب كربونية وقيود على الصناعات الملوِّثة، وفي ظل هذه الظروف ستكون الصناعات التي تتجه مبكراً إلى التقنيات النظيفة أكثر حظاً في الحفاظ على مكانتها في الأسواق العالمية. وفي هذا الإطار، وضعت مجموعة فولاد مباركة على جدول أعمالها استخدام تقنيات مثل أفران القوس الكهربائي، وتطوير أنظمة استعادة الحرارة، وتوظيف أنظمة ذكية لإدارة الطاقة، وذلك لخفض استهلاك الطاقة وفي الوقت نفسه تقليل انبعاثات الملوثات.
وفي الوقت نفسه، أدى تطوير أنظمة المراقبة الإلكترونية للملوثات وتنفيذ مشاريع التحكم في تلوث الهواء إلى جعل قضايا البيئة جزءاً من عملية الإنتاج اليومية. كما أن صدور النسخة الجديدة من المعيار ISO 14001:2026 يدل أيضاً على أن النظرة العالمية إلى البيئة قد دخلت مرحلة جديدة؛ وهي مرحلة تجاوزت فيها الإدارة المستدامة، والتحكم في الملوثات، والاقتصاد الدائري، والتحرك نحو الحياد الكربوني، مستوى التوصيات الشكلية لتصبح متطلبات تشغيلية للصناعات.
وفي مجال الطاقة أيضاً، سعت فولاد مباركة، من خلال الدخول في مشاريع محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى تقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري. وتكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة في وقت أصبحت فيه أزمة الطاقة واختلالات إمدادات الكهرباء من بين أبرز التحديات التي تواجه صناعات البلاد. إن تطوير الطاقة النظيفة لم يعد يُعد إجراءً بيئياً فحسب، بل أصبح أيضاً جزءاً من أمن الطاقة واستمرارية الإنتاج؛ وهو مسار أصبح أحد أهم متطلبات الصناعة العالمية.
وفي مجال الموارد المائية أيضاً، يُعد أداء مجموعة فولاد مباركة جديراً بالملاحظة. إن تنفيذ مشاريع إعادة تدوير مياه الصرف ومعالجتها، وإعادة استخدام المياه في دورة الإنتاج، وتقليل السحب من الموارد الجوفية، من بين الإجراءات التي تم اتباعها في إطار الإدارة المستدامة للموارد المائية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في بلد مثل إيران يواجه أزمة شح المياه، لأن استمرار نشاط الصناعات من دون الإدارة العلمية للموارد المائية سيواجه تحديات جدية في المستقبل.
كما أن تطوير 1450 هكتاراً من المساحات الخضراء حول المجمع الصناعي، والتحرك نحو هدف الوصول إلى صفر نفايات، وتطوير الاقتصاد الدائري، يظهر أن نظرة هذه المجموعة إلى البيئة لا تقتصر فقط على التحكم في التلوث، بل تركز على إيجاد نموذج صناعي منسجم مع الطبيعة؛ نموذج لم تعد فيه النفايات تُعد مادة فائضة، بل تُعتبر جزءاً من دورة الإنتاج وخلق القيمة.
لقد أصبح مفهوم الإنتاج المستدام اليوم أحد أهم مؤشرات التنمية الصناعية؛ وهو مفهوم يقوم على أن يتم الإنتاج بطريقة تحافظ، إلى جانب تلبية احتياجات اليوم، على قدرة الأجيال القادمة على الاستفادة من الموارد الطبيعية. وفي هذا الإطار نفسه، تُظهر تجربة مجموعة فولاد مباركة أن حتى الصناعات الكبرى والكثيفة الاستهلاك للطاقة يمكنها، بالاعتماد على التكنولوجيا، وإدارة الموارد، والاستثمار الموجّه، أن تبدأ مسار التحرك نحو التنمية المستدامة.
والحقيقة أن مستقبل اقتصاد إيران وصناعتها يتجه حتماً نحو نماذج حديثة للتنمية؛ نموذج لا يُعرَّف فيه زيادة الإنتاج، وتطوير الصادرات، والنمو الاقتصادي في مواجهة البيئة، بل يتحول فيه الحفاظ على الموارد الطبيعية وخفض التلوث إلى جزء من عملية التنمية. وفي مثل هذه الظروف، فإن توجه الصناعات الكبرى نحو خفض الكربون، وتطوير الطاقة النظيفة، والإدارة الذكية للموارد، واستخدام التقنيات الحديثة، لن يكون مجرد مسؤولية اجتماعية فحسب، بل سيكون أيضاً ضرورة للحفاظ على القدرة التنافسية واستمرار الحضور في الأسواق العالمية. ويمكن للمسار الذي انتهجته مجموعة فولاد مباركة أن يشكل نموذجاً لجهود الصناعة الإيرانية في مواكبة متطلبات العصر الجديد والتحرك نحو مستقبل يجد فيه التطور الصناعي وحماية البيئة معناهما في امتدادهما معاً.